محمد سعيد رمضان البوطي

47

من روايع القرآن

آية إلا بشاهدين يجتمعان عليها من حيث اللفظ والأداء وهما الحفظ والكتابة ، رغم أنه كان هو نفسه في مقدمة حفّاظ القرآن غيبا ، فكان في غنىّ عن أن يحمّل نفسه هذا الجهد ، ولكن الورع في الدين والحيطة في النقل حمّلاه على أن يضع نفسه - من أجل أنه هو الذي تولى الكتابة - في الموضع الأخير بعد عامّة الصحابة . وهذا المنهج الشديد الذي اتّبعه زيد ، هو الذي يفسر لك معنى قوله أنه لم يجد الآيات الأخيرة من سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري . فليس معنى كلامه هذا أنه اعتمد في كتابتها على خبر الواحد فقط وهو أبو خزيمة ، وإنما هو مزيد في الحيطة منه ، فهو لا يكتفي بحفظه وحفظ بقية الصحابة لها باللسان ، بل لا يكتفي مما كتب أيضا إلا بالذي كان داخلا منه تحت إشرافه عليه الصلاة والسلام وتولى كتابته أحد كتّاب الوحي أنفسهم . فمن أجل ذلك ظلّ متوقفا عن تسجيل هذه الآيات رغم حفظه لها ورغم وجودها في صدور عامّة الصحابة إلى أن عثر لها على الشاهد الثاني أيضا وهو الكتابة الموثوقة الصحيحة . قال أبو شامة : وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا من مجرد الحفظ ، قال ولذلك قال في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره - أي غير أبي خزيمة الأنصاري - أي لم أجدها مكتوبة مع غيره . لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة « 1 » . ثالثا - ما جدّ من ذلك في خلافة عثمان : وقد ظلّ الأمر على ما قام به أبو بكر رضي اللّه عنه ، مدة خلافته ، ثم مدة خلافة عمر رضي اللّه عنه ، وفي صدر من خلافة عثمان رضي اللّه عنه . إلا أنه حدث بعد ذلك أمر نبّه المسلمين إلى ضرورة وجود نسخ متعددة من هذا المصحف الإمام الذي اعتمده الخلفاء ، لتوزيعها في الأمصار وجمع الناس عليها ، كي لا يكون للعجمة واللهجات المختلفة سبيل إلى اختلاف الناس في القراءة أو إلى تحريف شيء من القرآن لفظا أو أداء .

--> ( 1 ) انظر الإتقان : 1 / 58 ، وفتح الباري : 9 / 12 .